الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة في مقابر وثلاجات الاحتلال ومركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان ينعيان المناضل سالم خلة

 
عاش ومات "نظيف اليد، طاهر القلب، عفيف اللسان، كريم النفس عزيزا" هذه الكلمات ليست من تأليف كاتب هذا البيان، بل هي كلمات نعي أبي زياد لنفسه، وكانت وصيته لكاتب هذه السطور أن تحفر على لوحة قبره. ليس هو فقط من يطلق هذه الأوصاف على نفسه، بل هذا ما رأيناه فيه من معايشتنا الطويلة له، فهو القائد في الأزمات، ينبثق عند الحاجة اليه ودون طلب من أحد، فهو قائد بالفطرة، يقود بقوة الاقناع وقوة الشغف والعاطفة، وهو المقاتل الفرد المستعد أن ينصاع لقيادة حتى من هم أقل منه عمرا وخبرة ومكانة، فيه تواضع المناضل وانضبط المقاتل ورقة المتفائل.
 
عرفنا سجايا عديدة له حين تأسست الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء، وكنا بحاجة لمنسق عام لها، لصهر ذوي الشهداء في بوتقة أنبل قضية وأصعب هدف. وكما أصبح معروفا للجميع تأسست بدايات الحملة أواخر عام 2007، في ذروة الانقسام السياسي، والاعتقالات السياسية هنا وهناك في شطري الوطن، وكان التحدي أمامه وأمامنا أن يجمع ابن الفتح وعائلته مع حماس ومؤيديها، مع الجبهات والجهاد وكل قوى وأحزاب شعبنا، فالشهداء ينزعون مرتبهم ورتبهم وتسمياتهم عند الاستشهاد ويرتقون الى رتبة شهيد، يجب ان يكونوا فوق الخلاف وفوق الانقسام وفوق البغضاء، فدمهم هو الذي يتوجب ان يكون الصمغ اللاصق للوحدة والسد المنيع أمام الانقسام.
كانت اللقاءات الأولى مع أهالي الشهداء المحتجزة جثامينهم مليئة بمشاعر الإحباط والغضب، الإحباط جراء الانتظار الطويل وتضاؤل الأمل، والغضب جراء الإهمال والنسيان، فلسنين طويلة ترك أهالي الشهداء يواجهون وحدتهم وألمهم، وهم يعلمون علم اليقين أن هذا الملف لو فطن اليه أحد ابان تحرير معظم الأسرى منتصف التسعينات لأخذوا ابناءهم فوق البيعة، واسف لاستخدام هذا التعبير. وهنا تجلت صفة أخرى لأبي زياد الانسان، فهو المتجهم ان نظرت اليه من بعيد، بوجه ذي ملامح قاسية حفرته سنين النضال في ظروف غاية في القسوة، وشاربه الكثيف، الجدي حتى في مزاحه، لكن له قلبا من حرير ينخ أمام طفل وأمام أم ولم يكن يخجل أن تسبق دموعه دموع الأمهات والأخوات ودموع طفل من ابناءالعائلات الثكلى.
 
كان ذلك ضروريا لقائد يقود مجموعة حساسة المشاعر توقعاتها منا عالية جدا، وكان هاجس ابي زياد وهاجسنا جميعا ألا نخذلهم مجددا، ألا نسمح بأن ييأسوا، وأن نحقق أية نتائج، ولو كانت متواضعة، لتكون زادا مؤقتا ووقودا لمركبة بدأت بماكنة تحتاج الكثير من الصيانة والتشحيم لتدور عجلاتها، وهنا تجلت صفات ابي زياد القائد، كان في الستين من عمره حين شرع يجوب المحافظات والقرى والمخيمات، ليس فقط للمشاركة في اجتماعات، بل لمشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم، وكم كان يتألم حين تموت أم أو أب دون تحقيق أمنية حياتهم بدفن حبيب شهيد لهم، ولم يكن لهم من مطلب في الحياة سوى أن يزفوا شهيدهم/تهم ويعرفوا قبره، يرشونه بماء الورد والحنة ويزرعون الورد، وهو من اخترع عبارة: نحن ننزع اليوم عن الشهيد رقم كذا (ويذكر رقم القبر) ونعيد له اسمه الذي سمته به أمه وأبوه، كلما استلمنا جثمان شهيد وزفه أهله ورفاقه وأبناء شعبه.
 
لم يطل الأمر كثيرا، وبدأت الثمار والنجاحات تتوالى منذ صيف 2010، وصولا الى تحرير 121 شهيدا من مقابر الأرقام تجاوز احتجاز بعضها 36 عاما، وجثامين 220 شهيدا احتجزوا في الثلاجات بين عدة أسابيع الى عدة سنوات.
 
كان فقيدنا الراحل يصبح شابا في العشرين حين تكون هناك جنازات، يتنقل خلال اليوم الواحد من رام الله الى الأغوار فجنين يحضر ثلاث جنازات ويلقي كلمات تنزف ألما، ويبكي بحرقة ويقدم كتفه لبنت او ابن شهيد والكل يناديه عمو او العم. نعم فهو القائد وهو الجندي وهو الأب والعم.
وحين تعب أبو زياد وقرر انهاء تفرغه تطوع في مجلس إدارة مركز القدس، وبقي متطوعا في الحملة رغم آلام السرطان وتبعات علاجه، وحتى في قمة مرضه كان يمسك مفكرة الأرقام في هاتفه ويتصل بعائلات الشهداء مهنئا بالعيد او متضامنا مع مريض او معزيا بوفاة.
 
قد يقول قائل كل الناس يصبحون ملائكة عند الموت، وهذا صحيح أن نذكر للراحلين أفضل ما فيهم، ولكن أهالي الشهداء يعرفون في قلوبهم ونشهد، ان كل كلمة قيلت هنا صحيحة وأقل من أن تفي فقيدنا، فقيد الشعب الفلسطيني حقه، حيث شاءت الأقدار ان يجري تشييع ابي زياد بجنازة محدودة اقل بكثير من حشود الجنازات التي كان يحرص على تنظيمها.
 
وداعا أبا زياد
فلنا في خصالك عبرة يا مدرسة الإنسانية والتواضع
 
وعهدا لك ولكل الشهداء ان نواصل النضال حتى نحقق حلمك، أن نغلق ملف شهداء مقابر الأرقام، أن ننزع عنهم الأرقام ونعيد لهم أسماءهم، محمد ومحمود وأنيس وحنا وهنادي وشادي ودارين وأحمد وبلال وكل الشهداء.
عزاؤنا فيما تركت من ارث نضالي، وسنكمل السير في الطريق الذي عبدناه معا، نم قرير العين يا شهيد قضية وشعب.